ابن عجيبة
408
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
تطعنى » ، فقبض الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فجاء بها إلى أبى بكر ، فلم يقبلها ، ثم جاء بها إلى عمر في خلافته ، فلم يقبلها منه ، وهلك في زمن عثمان ، بعد أن لم يقبلها منه « 1 » . وهذا معنى قوله : فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ أي : منعوا حق اللّه منه ، وَتَوَلَّوْا عن طاعة اللّه ، وَهُمْ مُعْرِضُونَ أي : وهم قوم عادتهم الإعراض عنها ، فَأَعْقَبَهُمْ أي : فأردفهم نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ ؛ عقوبة على العصيان بما هو أشد منه ، أو فجعل اللّه عاقبة فعلهم ذلك نفاقا متمكنا في قلوبهم وسوء اعتقاد . قال البيضاوي : ويجوز أن يكون الضمير للبخل ، والمعنى : فأورثهم البخل نفاقا متمكنا في قلوبهم إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ، أي : يلقون اللّه بالموت ، والمراد : يلقون جزاءه أو عقابه . وذلك بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ أي : بسبب إخلافهم ما وعدوه من التصدق والصلاح ، وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ أي : وبكونهم كاذبين فيه ؛ فإن خلف الوعد متضمن للكذب ، مستقبح من الوجهين . أَ لَمْ يَعْلَمُوا أي : المنافقون ، أو من عاهد اللّه ، أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ أي : ما أسروا في أنفسهم من النفاق ، وَنَجْواهُمْ ؛ ما يتناجون فيه ، فيما بينهم ، من المطاعن وتسمية الزكاة جزية ، وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ؛ فلا يخفى عليه شئ من ذلك ، واللّه تعالى أعلم . الإشارة : في الحكم العطائية : « من تمام النعمة عليك : أن يرزقك ما يكفيك ، ويمنعك ما يطغيك » . وقال أبو سعيد الخدري رضى اللّه عنه : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « خير الرّزق ما يكفى ، وخير الذّكر الخفىّ » « 2 » وقال صلى اللّه عليه وسلم : « ما طلعت شمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان ، يسمعان الخلائق : أيّها النّاس ، هلمّوا إلى ربّكم ، ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى » « 3 » . وقال بعض العارفين : كل من لا يعرف قدر ما زوى عنه من الدنيا ، ابتلى بأحد وجهين : إما بحرص مع فقر يتقطع به حسرات ، أو رغبة في غنى تنسيه شكر ما أنعم به عليه .
--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في الكبير ( 8 / 260 ) والبيهقي في الدلائل ( باب قصة ثعلبة بن حاطب 5 / 90 ) وابن جرير في التفسير ( 10 / 189 ) . كذلك البغوي وغيره ، كلهم عن أبي أمامة الباهلي ، وذكر الحافظ ابن الحجر في الكافي الشاف : أن إسناد هذه القصة ضعيف جدا . راجع : الكافي الشاف ( 2 / 292 ) والإصابة ( 1 / 401 ) والحاوي للسيوطي ( 2 / 183 ) . وثعلبة بن حاطب - المذكور في القصة شهد بدرا . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية » . وحكى صلّى اللّه عليه وسلّم عن رب العزة أنه قال لأهل بدر : « اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ، فمن هذا شأنه ، كيف يؤول به الأمر إلى ما آل إليه ما نزلت فيه الآيات ؟ وقد أستشهد ثعلبة يوم أحد ، وفي القصة المذكورة أنه هلك في عهد عثمان . وهذا دليل على أن القصة غير صحيحة أصلا ، راجع في هذا : الشهاب الثاقب في الذب عن الصحابي ثعلبة بن حاطب . . ( 2 ) أخرجه أحمد 1 / 172 ، عن سعد بن مالك . وأخرجه ابن حبان - بتقديم وتأخير - عن سعد بن أبي وقاص ( الإحسان 2 / 89 ح 806 ) . ( 3 ) أخرجه أحمد في المسند ( 5 / 197 ) وابن حبان ( 2476 موارد ) والحاكم ( 2 / 445 ) ، وصححه ووافقه الذهبي كلهم عن أبي الدرداء . وقال الهيثمي ( 3 / 122 ) : رجاله رجال الصحيح .